مدونات سيدتي /خواطري

هل هي أزمة الثلاثينات؟

يلازمها إحساس دائم بالغربة وعدم الانتماء. لا شيء يناسبها في هذه الحياة. لا الأسرة التي ولدت فيها، ولا العمل الذي تزاوله، ولا حتى المدينة التي تعيش فيها!
إحساس أليم بالغربة. إحساس لازمها من زمان.
ثمة شيء خاطئ فيها أو فيمن حولها.. لا تدري!!
تذكرت وهي تهبّ لمساعدة رئيس القسم الذي تعمل فيه على الوقوف حادثة قديمة..
وقع ذلك في فصل الرياضيات. كان شرح المدرّسة مملًا، وكان الجو ساخنًا، وأزيز ذباب الظهيرة الرتيب يدغدغ أذنيها. وضعت رأسها على الطاولة الخلفية في ركن الصف القصي؛ حيث كانت المدرّسة تجلسها؛ لأنها «لا تفهم شيئًا» ونامت. لا تدري كم مضى من الوقت قبل أن ينتشلها صوت عصا المدرسة؛ وهي ترتطم بعنف بجانب طاولتها من عالم الأحلام. هبّت فزعة تفرك عينيها وتبحلق بذهول في وجوه التلاميذ الضاحكة، وسحنة المدرّسة الغاضبة. أمرتها بأن تقوم على الفور وتذهب إلى مكتب المدير لتلقى عقابها، وخطت شيئًا في ورقة مدتها إليها لتسلمها للمدير. وخرجت ذاهلة والخوف يمزق أمعاءها. كم من الضربات ستتلقى؟ فالمدير معروف بعقابه العنيف. وماذا لو طلب رؤية والدها؟ ستكون العقوبة مضاعفة، فوالدها لا يقل قساوة عنه.
أشارت لها السكرتيرة بأن تدق باب مكتب المدير وتدخل. ودلفت برعب لتجد سيادته غارقًا في النوم، وقد أسند رأسه على ظهر مقعده الوثير، وساقاه ممددتان على الأوراق التي تغطي مكتبه الخشبي الأنيق.
تذكرت تلك الواقعة، وهي تحني رأسها، ورئيس قسم المراسلات يجدد وعيده وتهديده لها.
دخل منذ لحظات يرغي ويزبد ويتهمها بقلة التركيز وانعدام الكفاءة وكثرة الهفوات. فالتقرير الذي قدمته له يغص بالأخطاء المطبعية التي لا تليق بموظفة في حجمها، لديها ثلاثة مساعدين وسكرتيرة. 
قال ما قاله ورمى التقرير على مكتبها، واستدار ليخرج بحنق واصطدم بالحاجز الزجاجي الذي يفصل مكتبها عن مكاتب العاملين معها، وسقط بعنف على الأرض.
قلة التركيز... لو كانت ظروفها مختلفة لضحكت من سريالية اللحظة. يتهمها بقلة التركيز، ولا يرى الحاجز الزجاجي أمامه. تمامًا كمدير مدرستها القديمة الذي اضطرت لإيقاظه لكي يعاقبها على نومها أثناء حصة الدرس.
العالم مليء بالتناقضات.. وهي لم تعد قادرة على استيعابها.
لم تعد تعني وظيفتها لها شيئًا. تكد كثيرًا ولا يظهر عملها لأحد. فالفريق الذي يساعدها غير متجانس. الجو مشحون بين الموظفين، فهم لا يطيقون بعضهم ولا يطيقونها، والعمل الذي يحال على مكتبها روتيني متشابه، ولا تبدو ثمة آفاق في وظيفتها، ولسان رئيس القسم حاد وطبعه متسلط.
قررت أن تترك وظيفتها المضجرة، وتبحث عن عمل آخر.
أخبرت والديها بالأمر. فكرت وهي تحدثهما بأن الواقع مضحك فعلًا. فهي، وقد أشرفت على منتصف الثلاثينات، لا تزال تعيش مع أبيها وأمها، وتستأذنهما في كل صغيرة وكبيرة.
صرخت أمها حين علمت بالأمر، ونعتتها بالغباء والجنون. وقام والدها يهدد بحبسها في الدار وتحويل عيشتها إلى جحيم.
لم تتوقع ردة فعل بهذا العنف. 
ذكرتهما بأن أختها الصغرى تركت الدراسة منذ عامين ولم يحتجا على قرارها. وصرخ والدها بانفعال بأن أختها جميلة، ولن تتعب في العثور على عريس يغنيها عن الدراسة والوظيفة، أما هي بوجهها النكد وطباعها الغريبة... فستبقى معلقة في رقبته هو وأمها... وسيستمر ذلك دهورًا... وهما يريدان أن يعيشا حياتهما بلا همّ ولا غمّ ولا مسؤوليات إضافية حتى القبر.
قيل لها تلك الليلة ما كانت تعرفه وتشعر به دون أن تواجهه بشكل فج.
ظلت تبكي حتى الفجر.
ما العمل عندما تستوحش نفسك بين أهلك وترى حياتك معلقة بين حاضر لا تطيقه ومستقبل تخشاه ولا تأمن له؟
كمدت جرحها وقامت إلى عملها وثقل العالم يسحقها.

أضف تعليقا

مقالات اخرى للكاتب

X